فخر الدين الرازي

607

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لما وضعت على الفرزدق ميسمي * وعلى البعيث جدعت أنف الأخطل يريد أنه وسم الفرزدق [ والبعيث ] وجدع أنف الأخطل بالهجاء أي ألقى عليه عارا لا يزول ، ولا شك أن هذه المبالغة العظيمة في مذمة الوليد بن المغيرة بقيت على وجه الدهر فكان ذلك كالموسم على الخرطوم ، ومما يشهد لهذا الوجه قول من قال في زَنِيمٍ إنه يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وثالثها : يروى عن النضر بن شميل أن الخرطوم هو الخمر وأنشد : تظل يومك في لهو وفي طرب * وأنت بالليل شراب الخراطيم فعلى هذا معنى الآية : سنحده على شرب الخمر وهو تعسف ، وقيل للخمر الخرطوم كما يقال لها السلافة ، وهي ما سلف من عصير العنب ، أو لأنها تطير في الخياشيم . [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 17 إلى 18 ] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ( 17 ) وَلا يَسْتَثْنُونَ ( 18 ) اعلم أنه تعالى لما قال : لأجل أن كان ذا مال وبنين ، جحد وكفر وعصى وتمرد ، وكان هذا استفهاما على سبيل الإنكار بين في هذه الآية أنه تعالى إنما أعطاه المال والبنين على سبيل الابتلاء والامتحان ، وليصرفه إلى طاعة اللّه ، وليواظب على شكر نعم اللّه ، فإن لم يفعل ذلك فإنه تعالى يقطع عنه تلك النعم ، ويصب عليه أنواع البلاء والآفات فقال : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أي كلفنا هؤلاء أن يشكروا على النعم ، كما كلفنا أصحاب الجنة ذات الثمار ، أن يشكروا ويعطوا الفقراء حقوقهم ، روي أن واحدا من ثقيف وكان مسلما ، كان يملك ضيعة فيها نخل وزرع بقرب صنعاء ، وكان يجعل من كل ما فيها عند الحصاد نصيبا وافرا للفقراء ، فلما مات ورثها منه بنوه ، ثم قالوا : عيالنا كثير ، والمال قليل ، ولا يمكننا أن نعطي المساكين ، مثل ما كان يفعل أبونا ، فأحرق اللّه جنتهم ، وقيل : كانوا من بني إسرائيل ، وقوله : إِذْ أَقْسَمُوا إذ حلفوا : لَيَصْرِمُنَّها ليقطعن ثمر نخيلهم مصبحين ، أي في وقت الصباح ، قال مقاتل : معناه أغدوا سرا إلى جنتكم ، فاصرموها ، ولا تخبروا المساكين ، وكان أبوهم يخبر المساكين ، فيجتمعون عند صرام جنتهم ، يقال : قد صرم العذق عن النخلة ، وأصرم النخل إذا حان وقت صرامه ، وقوله : وَلا يَسْتَثْنُونَ يعني ولم يقولوا : إن شاء / اللّه ، هذا قول جماعة المفسرين ، يقال : حلف فلان يمينا ليس فيها ثنيا ولا ثنوى ، ولا ثنية ولا مثنوية ولا استثناء وكله واحد ، وأصل هذا كله من الثنى وهو الكف والرد ، وذلك أن الحالف إذا قال : واللّه لأفعلن كذا إلا أن يشاء اللّه غيره ، فقد رد انعقاد ذلك اليمين ، واختلفوا في قوله : وَلا يَسْتَثْنُونَ فالأكثرون أنهم إنما لم يستثنوا بمشيئة اللّه تعالى لأنهم كانوا كالواثقين بأنهم يتمكنون من ذلك لا محالة ، وقال آخرون : بل المراد أنهم يصرمون كل ذلك ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إلى المساكين . ثم قال تعالى : [ سورة القلم ( 68 ) : الآيات 19 إلى 20 ] فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( 20 ) طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ أي عذاب من ربك ، والطائف لا يكون إلا ليلا أي طرقها طارق من عذاب اللّه ، قال